فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

وقوله: {وتؤتوها الفقراء}، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلاّ للفقراء، وأنّ الصدقة المُبْدَاة أيضًا تعطي للفقراء.
فقال العصام: كأنّ نكتة ذكره هنا أنّ الإبداء لا ينفكّ عن إيتاء الفقراء؛ لأنّ الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله، بخلاف الإخفاء، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثًّا على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة أي لأنّ الحرِيصينَ من غير الفقراء يستحيون أن يتعرّضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدّهم شيء عن التعرّض للصدقات الخفيّة.
وقال الخفاجي: لم يذكر الفقراء مع المُبْدَاةِ لأنّه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراءُ وغيرهم، وأما الصدقة المخفَاةُ فهي صدقة التطوّع ومصارفها الفقراء فقط.
وهو ضعيف لوجهين:
أحدهما أنّه لا وجه لقصر الصدقة المبدَاةِ على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أنّ تفضيل الإخفاء هل يعمّ الفريضة أولًا، الثاني أنّ الصدقة المتطوّع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش.
وقال الشيخ ابن عاشور جدّي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من صحيح مسلم: عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطًا للخيرية في الآية مع العلم بأنّ الصدقة للفقراء يؤذن بأنّ الخيرية لإخْفَاءِ حال الفقير وعدم إظهار اليد العليا عليه أي فهو إيماء إلى العلة وأنّها الإبقاء على ماء وجه الفقير، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء. اهـ.

.من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}.
أَقُولُ: حَثَّتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَبْلَغَ حَثٍّ وَآكِدَهُ، وَأَرْشَدَتْ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْمُنْفِقُ عِنْدَ الْبَذْلِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ تَثْبِيتِ النَّفْسِ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يَتَّقِيَهُ بَعْدَ الْبَذْلِ وَهُوَ الْمَنُّ وَالْأَذَى، فَكَانَ ذَلِكَ إِرْشَادًا يَتَعَلَّقُ بِالْبَذْلِ وَالْبَاذِلِ، ثُمَّ أَرَادَ تَعَالَى أَنَّ يُبَيِّنَ لَنَا مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ فِي الْمَبْذُولِ لِيُكْمِلَ الْإِرْشَادَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} فَبَيَّنَ نَوْعَ مَا يُبْذَلُ وَمَا يُنْفَقُ وَوَصَفَهُ، أَمَّا الْوَصْفُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَالطَّيِّبُ هُوَ الْجَيِّدُ الْمُسْتَطَابُ وَضِدُّهُ الْخَبِيثُ الْمُسْتَكْرَهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مُقَابِلِ هَذَا الْأَمْرِ: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أَصْلُ تَيَمَّمُوا: تَتَيَمَّمُوا، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ، هَلْ يُرَادُ بِهِ مَا ذُكِرَ أَمْ هُوَ بِمَعْنَى الْحَلَالِ؟ وَأَنْ يُرَجِّحَ بَعْضُ الْمَعْرُوفِينَ بِالتَّدْقِيقِ مِنْهُمُ الثَّانِيَ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَرَدَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ عَزَا الْأَوَّلَ إِلَى الْجُمْهُورِ. نَعَمْ إِنَّ كُلَّ جَيِّدٍ وَحَسَنٍ يُوصَفُ بِالطَّيِّبِ وَإِنْ كَانَ حُسْنُهُ مَعْنَوِيًّا، فَيُقَالُ: الْبَلَدُ الطَّيِّبُ. الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، لَكِنَّ أُسْلُوبَ الْآيَةِ يَأْبَى أَنْ يُرَادَ بِالطَّيِّبَاتِ هُنَا أَنْوَاعُ الْحَلَالِ، وَبِالْخَبِيثِ: الْمُحَرَّمُ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ لَا تَرْضَاهُ، وَمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ يُؤَيِّدُ أُسْلُوبَهَا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْتُونَ بِصَدَقَتِهِمْ مِنْ حَشَفِ التَّمْرِ وَهُوَ رَدِيئُهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَسَنِ كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنْ رَذَالَةِ مَالِهِمْ وَفِي أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إِلَى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ فَيَعْزِلُ الْجَيِّدَ نَاحِيَةً، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ أَعْطَاهُ مِنَ الرَّدِيءِ وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ. وَالْمَعْنَى: أَنْفَقُوا مِنْ جِيَادِ أَمْوَالِكُمْ وَلَا تَيَمَّمُوا- أَيْ تَقْصِدُوا- الْخَبِيثَ فَتَجْعَلُوا صَدَقَتَكُمْ مِنْهُ خَاصَّةً دُونَ الْجَيِّدِ؛ فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ تَعَمُّدِ حَصْرِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَبِيثِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ التَّصَدُّقِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَلَا حَصْرٍ، وَلَوْ أُرِيدَ بِالْخَبِيثِ الْحَرَامُ لَنَهَى عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ لَا عَنْ قَصْدِ التَّخْصِيصِ فَقَطْ، أَمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْآيَةُ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِلنَّفَقَةِ فِيهَا، وَبِالنَّهْيِ عَنْ تَحَرِّي الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَبِيثِ خَاصَّةً دُونَ الطَّيِّبِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَبِيثِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ يُرَادَ بِالطَّيِّبَاتِ الْحَلَالُ، وَبِالْخَبِيثِ الْمُحَرَّمُ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، وَإِنَّمَا خُوطِبُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ فَلَوْ أُرِيدَ بِالطَّيِّبَاتِ وَالْخَبِيثِ مَا ذُكِرَ لَكَانَ الْخِطَابُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَمْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَكَانَ مَنْطُوقُ الْآيَةِ: أَنْفِقُوا مِنَ الْحَلَالِ وَلَا تَتَحَرَّوْا جَعْلَ صَدَقَاتِكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَحْدَهُ، وَمَفْهُومُهَا جَوَازُ التَّصَدُّقِ بِالْحَرَامِ أَيْضًا، وَهَذَا مَا يَأْبَاهُ النَّظْمُ الْكَرِيمُ وَالشَّرْعُ الْقَوِيمُ، ثُمَّ إِنَّ مَا اخْتَرْنَاهُ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [3: 92] وَيُوصَفُ الرِّزْقُ بِالْحَلَالِ وَالطَّيِّبِ مَعًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [5: 5] وَقَوْلِهِ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [7: 157] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. فَهَلْ تَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى يُحِلُّ لَهُمُ الْحَلَالَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْحَرَامَ وَهُوَ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَبِيثَ الَّذِي حُرِّمَ أَخَصُّ مِنَ الْخَبِيثِ الَّذِي يُنْهَى عَنْ تَحَرِّي النَّفَقَةِ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ مَا كَانَتْ رَدَاءَتُهُ ضَارَّةً كَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ الْخَبِيثَ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُشْعِرُ بِالتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ؛ أَيْ كَيْفَ تَقْصِدُونَ الْخَبِيثَ مِنْهُ تَتَصَدَّقُونَ وَلَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بِمِثْلِهِ لِأَنْفُسِكُمْ إِلَّا أَنْ تَتَسَاهَلُوا فِيهِ تَسَاهُلَ مَنْ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَنْهُ فَلَمْ يَرَ الْعَيْبَ فِيهِ، وَلَنْ يَرْضَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَغْبُونٌ مَغْمُوطٌ الْحَقُّ، وَقَدْ صَوَّرُوهُ فِيمَنْ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ امْرِئٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ بَدَلًا عَنْهُ مِمَّا هُوَ دُونَهُ جَوْدَةً وَهُوَ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْحُقُوقِ أَيْضًا، فَالرَّدِيءُ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا بِإِغْمَاضٍ فِيهِ وَتَسَاهُلٍ مَعَ الْمُهْدِي؛ لِأَنَّ إِهْدَاءَ الرَّدِيءِ يُشْعِرُ بِقِلَّةِ احْتِرَامِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَمَا يُبْذَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ هُوَ كَالْمُعْطَى لَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ أَجْوَدِ مَا عِنْدَهُ وَأَحْسَنِهِ لِيَكُونَ جَدِيرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الَّذِي يَقْبَلُ الرَّدِيءَ مُغْمَضٌ فِيهِ إِنَّمَا يَقْبَلُهُ لِحَاجَتِهِ إِلَى قَبُولِهِ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ فَيُغْمِضُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ لِرَدَاءَتِهِ إِلَّا فَقِيرُ الْيَدِ أَوْ فَقِيرُ النَّفْسِ الَّذِي لَا يُبَالِي يَرْضَى بِمَا يُنَافِي الْحَمْدَ كَقَبُولِ الرَّدِيءِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ، وَأَمَّا نَوْعُ مَا يُنْفِقُ فَهُوَ بَعْضُ مَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ كَكَسْبِ الْفَعَلَةِ وَالتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ، وَبَعْضُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَلَّاتِ الْحُبُوبِ وَثَمَرَاتِ الشَّجَرِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ، وَهُوَ مَا كَانَ دُفِنَ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ تَعَالَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ كَسْبًا؛ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ فِيهِ فَضْلُ اللهِ تَعَالَى لَا مُجَرَّدَ حَرْثِ الْإِنْسَانِ وَبَزْرِهِ، عَلَى أَنَّ مِنْهُ مَا لَيْسَ لِلنَّاسِ فِيهِ عَمَلٌ مَا، أَوْ مَا لَهُمْ فِيهِ إِلَّا عَمَلٌ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُذْكَرُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ تَقْدِيمَ الْكَسْبِ عَلَى مَا يُخْرِجُ اللهُ مِنَ الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِنْفَاقِ هُنَا؛ فَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ. وَقِيلَ: خَاصٌّ بِالتَّطَوُّعِ؛ وَقِيلَ: يَعُمُّهُمَا وَهُوَ الصَّوَابُ. إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْآيَةَ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا يُخْرِجُهُ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الْأَرْضِ عَمَلًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَمْ يُخَصُّ بِبَعْضِ ذَلِكَ؟ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّخْصِيصِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِمَا يُقْتَاتُ بِهِ دُونَ نَحْوِ الْفَاكِهَةِ وَالْبُقُولِ؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالْآيَةُ فِي نَفْسِهَا جَلِيَّةٌ وَاضِحَةٌ لَا مَثَارَ لِلْخِلَافِ فِيهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْخِلَافُ فِي مَنْ حَمَلَهَا عَلَى زَكَاةِ الْفَرِيضَةِ مَعَ إِضَافَةِ مَا وَرَدَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْقَوْلِيَّةِ فِي زَكَاةِ مَا تُخْرِجُ الْأَرْضُ إِلَيْهَا. وَمَنْ جَرَّدَهَا عَنِ الْآرَاءِ وَالرِّوَايَاتِ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُنَا بِأَنْ نُنْفِقَ مِنْ كُلِّ مَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الرِّزْقِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُهُ كَسْبَ أَيْدِينَا أَوْ مَا يُخْرِجُهُ لَنَا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا، كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ يَجِبُ شُكْرُهُ لَهُ بِنَفَقَةِ بَعْضِ الْجَيِّدِ مِنْهُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ. وَالْآيَةُ لَمْ تُخَصِّصْ وَلَمْ تُعَيِّنْ مِقْدَارَ مَا يُنْفَقُ، بَلْ وَكَلَتْهُ إِلَى رَغْبَةِ الْمُؤْمِنِ فِي شُكْرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ آخَرُ يُعَيِّنُ بَعْضَ النَّفَقَاتِ فَلَهُ حُكْمُهُ.
أَقُولُ: لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالتَّعْلِيمِ الْكَامِلِ وَالتَّأْدِيبِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ بِهَذَا الْهُدَى أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِحَسَبِ سَعَتِهِ وَحَالِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي بَذْلِهِ مُخْلِصًا مُتَحَرِّيًا مَوَاقِعَ الْفَائِدَةِ، مُبْتَعِدًا بَعْدَ الْبَذْلِ عَمَّا يَذْهَبُ بِثَمَرَتِهِ مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، وَلَكِنَّكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ اللَّابِسِينَ لِبَاسَ الْإِيمَانِ يَتَقَلَّبُونَ فِي النِّعَمِ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ لَهَا كُفْرًا؛ إِذْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ إِمْسَاكًا وَبُخْلًا، وَقَدْ يُعَدُّ هَذَا مِنْ مُوَاطِنِ الْعَجَبِ، وَلَكِنَّ الْكِتَابَ الْحَكِيمَ قَدْ جَاءَنَا بِمَا لَهُ مِنَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ، وَأَرْشَدَنَا إِلَى طَرِيقِ التَّفَصِّي مِنْهُ وَالْهَرَبِ فَقَالَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُخَيِّلُ إِلَيْكُمْ بِوَسْوَسَتِهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ يَذْهَبُ بِالْمَالِ وَيُفْضِي إِلَى سُوءِ الْحَالِ، فَلابد مِنْ إِمْسَاكِهِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ اسْتِعْدَادًا لِمَا يُوَلِّدُهُ الزَّمَنُ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} فَإِنَّ الْأَمْرَ هُنَا عِبَارَةٌ عَمَّا تُوَلِّدُهُ الْوَسْوَسَةُ مِنَ الْإِغْرَاءِ، وَالْفَحْشَاءُ الْبُخْلُ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَا فَحُشَ؛ أَيِ اشْتَدَّ قُبْحُهُ، وَكَانَ الْبُخْلُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ أَفْحَشِ الْفُحْشِ، قَالَ طَرَفَةُ:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي ** عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ

وَاللهُ يَعِدُكُمْ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْوَحْيِ وَبِمَا أَوْدَعَهُ فِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ مِنَ الْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ، وَالْعَقْلِ الرَّجِيحِ، وَفِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْبِرِّ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِنْفَاقَ كَفَّارَةً لِكَثِيرٍ مِنَ الْخَطَايَا وَسَبَبًا يَفْضُلُ بِهِ الْمَرْءُ قَوْمَهُ وَيَسُودُهُمْ أَوْ يَسُودُ فِيهِمْ بِمَا يَجْذِبُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبِ مَنْ يَكُونُ سَبَبًا فِي رِزْقِهِمْ، وَهَذَا الْفَضْلُ مِنَ الْجَاهِ بِالْحَقِّ- هَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ- وَالْمَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الْفَضْلَ هُوَ مَا يُخْلِفُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْمُنْفِقِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [34: 39] وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ الْعِبَادُ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا أَيْ تَلَفًا لِمَالِهِ، بِأَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ لَا يُفِيدُهُ. وَمَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدِي: أَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ يُخْلِفَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِمَا يُسَهِّلُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَيَرْفَعُ مِنْ شَأْنِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَأَنْ يُحْرَمَ الْبَخِيلُ مِنْ مَثَلِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَعْدُ اللهِ تَعَالَى بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ، وَالثَّانِي لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْخُلْفُ الَّذِي يُعْطِيهِ، وَأَقُولُ: إِنَّ مِنْ هَذَا الْخُلْفِ الرِّزْقَ الْمَعْنَوِيَّ وَهُوَ الْجَاهُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُلْكِ الْقُلُوبِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رحمه الله تعالى وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ فَهُوَ إِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ لِسَعَةِ فَضْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَعْلَمُ أَيْنَ يَضَعُ مَغْفِرَتَهُ وَفَضْلَهُ، بِمِثْلِ هَذَا يُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. وَأَقُولُ: إِنَّ اسْمَ عَلِيمٌ يُفِيدُ هُنَا أَنَّهُ سبحانه يَعْلَمُ غَيْبَ الْعَبْدِ وَمُسْتَقْبَلَهُ وَالشَّيْطَانُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَوَعْدُهُ تَغْرِيرٌ لَا يَعْبَأُ بِهِ الْعَاقِلُ النِّحْرِيرُ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ: اسْتِعْمَالُ الْوَعْدِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَهُوَ شَائِعٌ لُغَةً، ثُمَّ جَرَى عُرْفُ النَّاسِ أَنْ يَخُصُّوا الْوَعْدَ بِالْخَيْرِ وَالْإِيعَادَ بِالشَّرِّ، فَإِذَا ذَكَرُوا الْوَعْدَ مَعَ الشَّرِّ أَرَادُوا بِهِ التَّهَكُّمَ، عَلَى أَنَّ مَا يَعِدُ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنَ الْفَقْرِ هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِنْفَاقِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَعْدُ بِالْغِنَى مَعَ الْبُخْلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ فَيُبَيِّنُ لَنَا بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَعِدُ هُوَ- جَلَّ شَأْنُهُ- بِهِ وَمَا يَعِدُ بِهِ الشَّيْطَانُ مَا نَحْنُ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مَعَ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَالْوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِيِّ، وَتِلْكَ هِيَ الْحِكْمَةُ.
فَسَّرَ الْأُسْتَاذُ الْحِكْمَةَ هُنَا بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ يَكُونُ صِفَةً مُحْكَمَةً فِي النَّفْسِ حَاكِمَةً عَلَى الْإِرَادَةِ تُوَجِّهُهَا إِلَى الْعَمَلِ، وَمَتَى كَانَ الْعَمَلُ صَادِرًا عَنِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ كَانَ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ النَّافِعُ الْمُؤَدِّي إِلَى السَّعَادَةِ. وَكَمْ مِنْ مُحَصِّلٍ لِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ خَازِنٍ لَهَا فِي دِمَاغِهِ لِيَعْرِضَهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ لَا تُفِيدُهُ هَذِهِ الصُّوَرُ الَّتِي تُسَمَّى عِلْمًا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ وَالْأَوْهَامِ، وَلَا فِي التَّزْيِيلِ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَمَكَّنْ فِي النَّفْسِ تَمَكُّنًا يَجْعَلُ لَهَا سُلْطَانًا عَلَى الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَصَوُّرَاتٌ وَخَيَالَاتٌ تَغِيبُ عِنْدَ الْعَمَلِ، وَتَحْضُرُ عِنْدَ الْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: وَالْمُرَادُ بِإِيتَائِهِ الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ- إِعْطَاؤُهُ آلَتُهَا الْعَقْلُ كَامِلَةً مَعَ تَوْفِيقِهِ لِحُسْنِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْآلَةِ فِي تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الصَّحِيحَةِ؛ فَالْعَقْلُ هُوَ الْمِيزَانُ الْقِسْطُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْخَوَاطِرُ وَالْمُدْرَكَاتُ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ، فَمَتَى رَجَحَتْ فِيهِ كِفَّةُ الْحَقَائِقِ طَاشَتْ كِفَّةُ الْأَوْهَامِ، وَسَهُلَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ.
أَقُولُ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَّفِقُ مَعَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْفِقْهُ فِي الْقُرْآنِ أَيْ مَعْرِفَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى، وَالْأَحْكَامِ بِعِلَلِهَا وَحِكَمِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِقْهَ هُوَ أَجَلُّ الْحَقَائِقِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي النَّفْسِ الْمَاحِيَةِ لِمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ الْوَسَاوِسِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَانِعَةً مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فَقِهَ مَا وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ وَفَوَائِدِهِ وَآدَابِهِ مِنَ الْآيَاتِ لَا يَكُونُ وَعْدُ الشَّيْطَانِ لَهُ بِالْفَقْرِ وَأَمْرُهُ إِيَّاهُ بِالْبُخْلِ مَانِعًا لَهُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْفِقْهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَحُسْنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْفَهْمِ وَالْبَحْثِ عَنْ فَوَائِدِ الْأَحْكَامِ وَعِلَلِهَا وَدَلَائِلِ الْمَسَائِلِ وَبَرَاهِينِهَا، فَالْخَبَرُ: فَسَّرَ الْحِكْمَةَ بِالْأَخَصِّ، رِعَايَةً لِلْمَقَامِ. وَالْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فَسَّرَهَا بِالْأَعَمِّ بَيَانًا لِشُمُولِ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ، فَالْآيَةُ بِإِطْلَاقِهَا رَافِعَةٌ لِشَأْنِ الْحِكْمَةِ بِأَوْسَعِ مَعَانِيهَا هَادِيَةً إِلَى اسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِي أَشْرَفِ مَا خُلِقَ لَهُ. وَمَنْ رُزِئَ بِالتَّقْلِيدِ كَانَ مَحْرُومًا مِنْ ثَمْرَةِ الْعَقْلِ وَهِيَ الْحِكْمَةُ، مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللهُ لِصَاحِبِ الْحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فَيَكُونُ كَالْكُرَةِ تَتَقَاذَفُهُ وَسْوَسَةُ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَجَهَالَةُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَغْنِي بِعُقُولِ النَّاسِ عَنْ عَقْلِهِ، وَبِفِقْهِ النَّاسِ عَنْ فِقْهِ الْقُرْآنِ، بِدَعْوَى أَنَّهُ جَمَعَ كَلَّ مَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي الْبَيَانِ، وَقَدْ يَجِدُ فِي فِقْهِ النَّاسِ أَنَّ اللهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ غَيْرَ الزَّكَاةِ الَّتِي لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ، وَأَنَّهُ إِذَا هُوَ وَهَبَ امْرَأَتَهُ مَالَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهَا إِيَّاهُ بَعْدَ دُخُولِ الْحَوْلِ الْجَدِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَيُمْكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يَمْلِكَ أُلُوفًا مِنَ الدَّنَانِيرِ وَتَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونَ وَالْأَحْوَالُ لَا يُنْفِقُ مِنْهَا شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللهِ وَيَكُونُ مُؤْمِنًا عَامِلًا بِفِقْهِ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْآنِ وَفَقِهَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ وَلَا غُرُورٍ بِعَظَمَةِ شُهْرَةِ الْمُحْتَالِينَ الْمُحَرِّفِينَ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ بِهَذَا الْمَنْعِ عَدُوًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِكِتَابِهِ، مَحْرُومًا مِنَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَتَاهُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْلِهِ.
قَرَأْنَا وَاطَّلَعْنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الْمُقَلِّدِينَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، فَلَمْ نَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عُشْرَ مِعْشَارِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَيَانِ فَوَائِدِهِ وَمَنَافِعِهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَكْبَرِ آيَاتِ الْإِيمَانِ وَالتَّنْفِيرِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَالْبُخْلِ وَبَيَانِ كَوْنِهِ مِنْ آيَاتِ الْكُفْرِ، وَلَكِنَّهَا تُطِيلُ فِيمَا لَمْ يُعْنَ بِهِ كِتَابُ اللهِ مِنْ بَيَانِ النِّصَابِ فِي كُلِّ مَا تَجِبُ بِهِ الزَّكَاةُ وَالْحَوْلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَسْتَقْصِي كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مَا يَنْفُذُ إِلَى الْقَلْبِ فَيَجْذِبُهُ إِلَى الرَّبِّ بَعْدَ أَنْ يُنْقِذَهُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ، وَيَزُجُّ بِهِ فِي وِجْدَانِ الدِّينِ، وَهَذَا مَا عَابَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي سَمَّوْهُ فِقْهًا. وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِقْهِ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ، فَهَلْ يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَفِقْهِ حُكْمِهِ وَأَسْرَارِهِ؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ أَوْسَعَ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِهِ هُمْ فِي الْغَالِبِ أَشَدُّهُمْ بُخْلًا وَحِرْصًا، حَتَّى لَا تَكَادَ تَرَى أَحَدًا مِنْهُمْ مُشْتَرِكًا فِي جَمْعِيَّةٍ خَيْرِيَّةٍ أَوْ مُنْفِقًا فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، بَلْ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَحْتَالُونَ وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْحِيَلَ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَصِفُ الْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةَ بِالْبِدْعَةِ وَيَلْمِزُ أَهْلَهَا فِي عَمَلِهِمْ، يَعْتَذِرُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ مُسَاعَدَتِهِمْ إِلَّا تَمَسُّكًا بِالشَّرْعِ وَمُحَافَظَةً عَلَى أَحْكَامِهِ، فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُونَ فَلِمَ لَا تُنْشِئُونَ جَمْعِيَّاتٍ خَيْرِيَّةً لِخِدْمَةِ الْأُمَّةِ وَإِعْلَاءِ شَأْنِ الْمِلَّةِ؟ شَكَوْا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا لَأَسْرَعَ الْجَمَاهِيرُ إِلَى تَلْبِيَتِهِمْ؛ لَأَنَّ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَزَالُ يَعْتَقِدُ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الدِّينِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ لَا يَعْمَلُ الْخَيْرَ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، بَلْ يَصُدُّ عَنْهُ يَكُونُ قَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيمَنْ أُوتِيهَا إِنَّهُ: أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا أَوْ يَكُونُ قَدْ أَوُتِيَ فِقْهَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْحِكْمَةُ؟ لَا نَعْنِي بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِلْمَ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَ بِالْفِقْهِ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ بِالْمَرَّةِ، وَإِنَّمَا نَعْنِي أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ حَتَّى فِي الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ أَقُولُ إِيضَاحًا لِلْمَقَامِ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَرْنٍ، فَهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ كَمَا لَا يَفْتَرِقُ الْمَعْلُولُ عَنْ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ، فَالْحِكْمَةُ: هِيَ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ الْمُحَرِّكُ لِلْإِرَادَةِ إِلَى الْعَمَلِ النَّافِعِ الَّذِي هُوَ الْخَيْرُ. وَآلَةُ الْحِكْمَةِ هِيَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ، فَهُوَ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ، فَمَتَّى حَكَمَ جَزَمَ فَأَمْضَى وَأَبْرَمَ، فَكُلُّ حَكِيمٍ عَلِيمٍ عَامِلٍ مَصْدَرٌ لِلْخَيْرِ الْكَثِيرِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} أَيْ وَقَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَتَّعِظُ بِالْعِلْمِ وَيَتَأَثَّرُ بِهِ تَأَثُّرًا يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ إِلَّا أَصْحَابُ الْعُقُولِ الْخَالِصَةِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَالْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ مِنَ الْمَعَايِبِ، وَهُوَ تَذْيِيلٌ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ، فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْحِكْمَةِ وَفَصْلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
أَرْشَدَنَا- عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْآيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُجَازِي عَلَى كُلِّ صَدَقَةٍ وَكُلِّ الْتِزَامٍ لِصَدَقَةٍ وَبِرٍّ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ عَمَلٍ وَكُلِّ قَصْدٍ، لِنَتَذَكَّرَ ذَلِكَ فَتَخْتَارَ لِأَنْفُسِنَا أَفْضَلَ مَا نُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَهُ عَنَّا فَقَوْلُهُ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ يَشْتَمِلُ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي حَقٍّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي شَرٍّ، وَمَا كَانَ عَنْ إِخْلَاصٍ وَمَا كَانَ رِئَاءَ النَّاسِ مَا أُتْبِعَ مِنْهَا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى وَمَا لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ يَأْتِي فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَيَشْمَلُ مَا كَانَ نَذْرَ قُرْبَةٍ وَتَبَرُّرٍ وَنَذْرَ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ، فَالْأَوَّلُ مَا قُصِدَ بِهِ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا شَرْطٍ وَلَا قَيْدٍ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ فِيهَا كَأَنْ يَنْذُرَ نَفَقَةً مُعَيَّنَةً أَوْ صَلَاةَ نَافِلَةٍ أَوْ بِشَرْطِ حُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ رَفْعٍ نِقْمَةٍ. كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ فُلَانًا فَعَلَيَّ- أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ- أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا أَوْ أَقِفَ عَلَى الْجَمْعِيَّةِ الْخَيْرِيَّةِ كَذَا، وَالثَّانِي مَا يُقْصَدُ بِهِ حَثُّ النَّفْسِ عَلَى شَيْءٍ أَوْ مَنْعُهَا عَنْهُ. كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ كَذَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي أَقُولُ: مِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِشَرْطِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَلَا مَحَلَّ هُنَا لِتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِيمَا وَرَدَ وَمَا قِيلَ فِي النَّذْرِ.
وَإِنَّمَا نَقُولُ: إِنَّهُ الْتِزَامُ فِعْلِ الشَّيْءِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ النَّاذِرِ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا- أَوْ عَلَيَّ لِلَّهِ كَذَا، أَوْ نَذَرْتُ لِلَّهِ كَذَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي طَاعَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ تَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ، فَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ مَعْصِيَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهَا، وَإِنْ نَذَرَ مُبَاحًا فَعَلَهُ لِأَنَّ فَسْخَ الْعَزَائِمِ مِنَ النَّقْصِ؛ وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ نَذَرَتْ أَنْ تَضْرِبَ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّيَ يَوْمَ قُدُومِهِ بِالْوَفَاءِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ لَا مُبَاحٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} جَوَابُ الشَّرْطِ؛ أَيْ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا ذُكِرَ مِنَ النَّفَقَةِ أَوِ النَّذْرِ، وَيُجَازِي عَلَيْهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَالْجُمْلَةُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَتَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ يَنْصُرُونَهُمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ فَيَدْفَعُونَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بِجَاهِهِمْ أَوْ يَفْتَدُونَهُمْ مِنْهُ بِمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [40: 18] أَقُولُ: وَالظَّالِمُونَ فِي مَقَامِ الْإِنْفَاقِ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؛ إِذَ لَمْ يُزَكُّوهَا وَيُطَهِّرُوهَا مِنْ هَذِهِ الْفَحْشَاءِ الْبُخْلِ، أَوْ مِنْ رَذَائِلِ الرِّيَاءِ وَالْمَنِّ وَالْأَذَى وَظَلَمُوا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ بِمَنْعِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ لَهُمْ، وَظَلَمُوا الْمِلَّةَ وَالْأُمَّةَ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَبِمَا كَانُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً لِغَيْرِهِمْ، فَظُلْمُهُمْ عَامٌّ شَامِلٌ. فَهَلْ يَعْتَبِرُ بِهَذَا أَغْنِيَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يَرَوْنَ أُمَّتَهُمْ قَدْ صَارَتْ بِبُخْلِهِمْ أَبْعَدَ الْأُمَمِ عَنِ الْخَيْرِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؟ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَجْهَلُونَ أَنَّ الْمَالَ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَصَالِحِ الْأُمَمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ شَاءُوا لَانْتَشَلُوا هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ وَهْدَتِهَا، وَعَادُوا بِهَا إِلَى عِزَّتِهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ ظَالِمُونَ، قُسَاةٌ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَتَذَكَّرُونَ.
{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)}.
هَذَا حُكْمٌ آخَرُ مِنْ أَحْكَامِ الصَّدَقَاتِ يَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ الْمُخْلِصُونَ الَّذِينَ يَتَحَامَوْنَ الرِّيَاءَ وَالْفَخْرَ فِي الْإِنْفَاقِ، وَمَا كُلُّ مُظْهِرٍ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ مُرَائِيًا بِهِ وَلَكِنْ كُلُّ مُخْفٍ لَهُ بَعِيدٌ عَنِ الرِّيَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أَيْ فَنِعْمَ شَيْئًا إِبْدَاؤُهَا، وَأَصْلُهَا نِعْمَ مَا هِيَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَوَرْشٌ وَحَفْصٌ نِعِمَّا بِكَسْرِ النُّونِ وَالْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَقَالُونُ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِخْفَاءِ حَرَكَةِ الْعَيْنِ اخْتِلَاسِهَا فِي رِوَايَةٍ وَإِسْكَانِهَا فِي أُخْرَى، وَالْأُولَى أَقِيسُ، وَحُكِيَتِ الثَّانِيَةُ لُغَةً. قَالَ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ إِنَّ إِعْطَاءَهَا لِلْفُقَرَاءِ فِي الْخُفْيَةِ وَالسِّرِّ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبْدَاءِ لِمَا فِي الْإِخْفَاءِ مِنَ الْبُعْدِ عَنْ شُبْهَةِ الرِّيَاءِ وَمَثَارِهِ، وَمِنْ إِكْرَامِ الْفَقِيرِ وَتَحَامِي إِظْهَارِ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، وَقِيلَ: خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْخُيُورِ وَلَيْسَ بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ زِيَادَةُ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ: وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ أَيْ وَيَمْحُو عَنْكُمْ بَعْضَ سَيِّئَاتِكُمْ. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَيُكَفِّرْ بِالْيَاءِ: أَيِ اللهُ تَعَالَى، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَيَّاشٍ وَيَعْقُوبَ {وَنُكَفِّرُ} بِالنُّونِ مَرْفُوعًا: أَيْ وَنَحْنُ نُكَفِّرُ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {وَنُكَفِّرْ} بِالنُّونِ مَجْزُومًا بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ الْفَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أَيْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ نِيَّاتُكُمْ فِي الْإِبْدَاءِ وَالْإِخْفَاءِ- فَإِنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الْعَالِمُ بِدَقَائِقِ الْأُمُورِ.
بَقِيَ فِي الْآيَةِ مَبْحَثَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ الصَّدَقَاتِ فِي الْآيَةِ عَامَّةٌ تَشْمَلُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالتَّطَوُّعَ، فَإِخْفَاءُ كُلِّ فَرِيضَةٍ خَيْرٌ مِنْ إِبْدَائِهَا. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهَا خَاصَّةٌ بِالتَّطَوُّعِ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَهِيَ شَعَائِرُ لَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ. قَالَ: إِنَّ إِبْدَاءَ الْفَرِيضَةِ إِشْهَارٌ لِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لَوْ أُخْفِيَتْ لَتُوُهِّمَ مَنْعُهَا، وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي الْمُتَوَهِّمِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ لِمَا لِلْقُدْرَةِ وَحَالِ الْبِيئَةِ مِنَ التَّأْثِيرِ، وَلَا مَحَلَّ لِلرِّيَاءِ فِي الْفَرَائِضِ وَالشَّعَائِرِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَلِأَنَّ الْمُرَائِيَ بِهَا لَا يَكُونُ مُصَدِّقًا بِفَرْضِيَّتِهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. أَقُولُ: فَإِذَا انْقَلَبَتِ الْحَالُ فَصَارَ الْمُؤَدِّي لِلْفَرِيضَةِ نَادِرًا لَا يَكَادُ يُعْرَفُ فَإِذَا عُرِفَ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ فَهَلْ يَصِيرُ الْأَفْضَلَ لَهُ إِخْفَاؤُهَا؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِظْهَارَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ آكَدًا؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَقُوَّتَهُ بِإِظْهَارِ شَعَائِرِهِ وَفَرَائِضِهِ وَلِمَكَانِ الْقُدْوَةِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْإِظْهَارَ أَفْضَلُ لِمَنْ يَرْجُو اقْتِدَاءَ النَّاسِ بِهِ فِي صَدَقَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ النَّفْعِ الْقَاصِرِ بِلَا نِزَاعٍ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْآيَةِ خَاصَّةً بِصَدَقَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْفَائِدَةِ: إِحْدَاهُمَا خَفِيَّةٌ وَالْأُخْرَى جَلِيَّةٌ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَفِيَّةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الْخَيْرِيَّةَ فِيهَا عَامَّةٌ إِلَّا أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ- كَمَا يَقُولُونَ- أَيْ إِنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ خَفِيَّةٍ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ صَدَقَةٍ جَلِيَّةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ سَتْرٌ لِحَالِ الْفَقِيرِ وَتَكْرِيمٌ لَهُ وَمَجْنَبَةٌ لِنَزَعَاتِ الرِّيَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْجَلِيَّةِ فَائِدَةٌ لَيْسَتْ فِي الْخَفِيَّةِ كَالِاقْتِدَاءِ تَكُونُ خَيْرًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَوِ الْحَيْثِيَّةِ، وَلَكَ أَنْ تُوَازِنَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيِ الْجِهَةِ أَيَّتُهُمَا أَرْجَحُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى وَالْقُدْوَةِ. فَرُبَّ مُعْطٍ لَا يَقْتَدِي بِهِ أَحَدٌ وَمُعْطٍ يَقْتَدِي بِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ، وَمُعْطٍ يَتْبَعُهُ الْجَمَاهِيرُ، وَرُبَّ مُعْطَى يَرَى مِنَ الْعَارِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَيُفَضِّلَ أَنْ يُعْطِيَهُ زَيْدٌ وَحْدَهُ فِي السِّرِّ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ فِي السِّرِّ، وَإِنَّ مِنَ الْمُنْفِقِينَ مَنْ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ إِذَا هُوَ تَصَدَّقَ فِي الْمَلَأِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا الرِّيَاءَ وَلَوْ أَنْفَقَ فِي الْخَلْوَةِ إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ضَبْطِ نَفْسِهِ لِتُوَاظِبَ عَلَى الْكِتْمَانِ، عَلَى أَنَّ الْمُخْلِصَ لَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ الَّذِي يَسْلَمُ بِهِ مِنْ مُنَازَعَةِ الرِّيَاءِ وَبَيْنَ إِبْدَائِهَا الَّذِي يَكُونُ مَدْعَاةً لِلْأُسْوَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، وَيَسْهُلُ هَذَا الْجَمْعُ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَأَنْ يُرْسِلَ الْمُتَصَدِّقُ وَرَقَةً مَالِيَّةً لِجَمْعِيَّةٍ خَيْرِيَّةٍ، وَلَا يَذْكُرُ لَهَا اسْمَهُ أَوْ يَذْكُرُهُ لِمَنْ يَبْذُلُ لَهُ الْمَالَ كَرَئِيسِهَا أَوْ أَمِينِهَا فَقَطْ، وَمِنْ دَأْبِ الْجَمْعِيَّاتِ أَنْ تُشِيدَ بِمِثْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بِأَلْسِنَةِ أَعْضَائِهَا وَبِأَلْسِنَةِ الْجَرَائِدِ الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ طَرْقِ الشُّهْرَةِ فِي عَصْرِنَا وَأَبْعَدُهَا مَدًى.
وَلَا يَبْعُدُ عَنْ هَدْيِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِنْفَاقَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَإِنْشَاءِ الْمَدَارِسِ لِلتَّرْبِيَةِ الْمِلِّيَّةِ وَالتَّعْلِيمِ النَّافِعِ، وَإِنْشَاءِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُشْبِهُ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ، فَلَا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ وَإِنْ أَخْفَى الْمُنْفِقُ اسْمَهُ، وَإِنَّ تَفْضِيلَ الْإِخْفَاءِ خَاصٌّ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ إِلَخْ. وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتَجْعَلُوهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْفَقِيرِ سَدٌّ لِخَلَّتِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الْمُبَارَاةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ كَمَا يُحْتَاجُ فِي إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ إِنَّ فِيهَا مِنْ سَتْرِ حَالِهِ وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ مَا لَا يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمَصَالِحِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ: «مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ إِخْفَاءَ كُلِّ أَعْمَالِ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ إِظْهَارِهَا، وَأَنَّهُ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ أَنَّ يَكُونَ مَخْمُولًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ، فَأَيْنَ مِنْ هَذَا الظَّنِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [28: 5] وَقَوْلُهُ- عَزَّ وَجَلَّ-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [32: 24] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ فِي بَيَانِ دُعَاءِ عِبَادِهِ: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [25: 74] فَهَلْ يَكُونُ الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ فِي الْخَيْرِ مَخْمُولًا مَجْهُولًا؟.
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: إِنْ أَطْلَقَ فِي الْآيَةِ لَفْظَ الْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ فُقَرَاءَكُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَحَبُّ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ- وَإِنْ كَانَ كَافِرًا- فَكَمَا وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ الْكَافِرَ فَلَمْ يَحْرِمْهُ لِكُفْرِهِ مِنَ الرِّزْقِ بِسَعْيِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةَ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ الَّذِي يَكْفِيهِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحَكَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَالْفُقَهَاءُ لَمْ يَمْنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ. وَإِنَّمَا قَالُوا: إِنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي هِيَ إِحْدَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ، وَلَا بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ، بَلْ قَالُوا: إِذَا اضْطُرَّ الذِّمِّيُّ أَوِ الْمُعَاهِدُ إِلَى الْقُوتِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَدُّ رَمَقِهِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ سَدُّ رَمَقِ الْمُسْلِمِ الْمُضْطَرِّ إِلَّا مَنْ أَهْدَرَ الشَّرْعُ دَمَهُ، وَعُمُومُ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ كَتَبَ الرَّحْمَةَ وَالْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِمَا: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ يَعْنِي فِي جَمِيعِ الْأَحْيَاءِ. اهـ.